|

القاهرة ـ وائل عبد الفتاح
تجري البنت في شارع مزدحم.
كأنها لا ترى كل هؤلاء الناس. لا تراهم. ولا تشعر بغير نفسها. وتصرخ
عبر الارصفة والسيارات والباعة المتجولين.. تنادي صديقتها..
كل واحدة على رصيف.. تكاد ترقص.. وتسير على سجادة احلام مفروشة وسط
اشارة المرور المختنق.. انها في ملعب خاص: وسط البلد. هنا تذوب كل
علاقتك بالعالم الا نفسك. لا مكان لكل الروابط القديمة: لا العائلة ولا
رقمك في ملفات الحكومة ولا موقعك بين الطبقات أو حسابك في البنك. هنا
انت وحدك. تملك قلب المدينة. وتقيم في صرتها.
والبنت تولد من جديد عندما تركب المترو.. وتصبح خارج نطاق السيطرة.
سيطرة العائلة ومراقبة الجيران.. تخلع القميص الذي يخفي الفتنة التي
كشفتها البلوزة المثيرة. وتطلق العنان لخصلات شعر مخنوقة. واحلام
بالطيران. أو بالوسيم الجذاب الذي يخطفها في سيارته المكشوفة. مرة أخرى
انت في وسط البلد.
أرض الغرباء.. أوربية المزاج والهوى.. بنيت لتكون مجمع الطبقات.. ومركز
المدينةالتي تشبه قطعة اسفنج كبيرة يختار فيها الشريد والغريب ثقباً من
ثقوبها ليعيش فيه مكتفياً.. لكنه على صلة ببقية الجسم الضخم.
هنا كان محمد خان يشعر ايضاً بالألفة أو كما يقول : "أنا ابن وسط البلد
تماماً. رغم انني ولدت في "غمرة". لكنني عشت في أرضاً شريف بجوار شارع
عبد العزيز.. كانت مازالت وقتها ارض جديدة هادئة وليست بهذا الزحام
وهذه الضجة الموجودة الآن. وسط البلد كانت حياتي. وكانت رايقة أقطعها
كلها "موتورجل"..".
في وسط البلد الناس تسير وكانها في كرنفال جماعي. أو في طريقهم إلى
احتفال.. يخفي كل منهم شخصيته الحقيقة.. أو التي جعلها حقيقية.. ويسمح
لشخصية أخرى بالاعلان المؤقت عن وجودها.شخصية خارج الجاذبية
الاجتماعية.. تولد في فوضى وسط البلد.
ها هي البنت ترقص على اغنية تحبها. وتجري لتحتضن صديقتها.. وسط 100
او200 متفرج يعبرون نفس الشارع في نفس اللحظة.
هنا.
تقريباً يمكن ان تقابل "ياسمين" و"جومانا".

اللعبة
ياسمين : عاملة في كوافير. وجومانا : في محل ملابس نسائية.
بنات المحلات (اسميناهم مرة انا واصدقائي: بنات شيكوريل.. تقف البنت
وراء فاترينة أو خلف كرسي الكوافير أو وسط سيرك الملابس.. مثل وحش
بانوثة مكبوتة.. واحلام قابلة للكسر.. وحياة وسط اغنياء وفقراء..
وغرباء واجانب.. .عجينة نادرة.. ورغبات لاحدود لها.. ).
قطط شوارع في وسط البلد (اليفة لكنها تذكر بشراسة تستخدمها وقت اللزوم)
هما من جيل مختلف على ابطال محمد خان. لكنه احب اللعبة معهما. اختار
هند صبرى لتلعب جومانا ومنة شلبي لتلعب ياسمين.
وكتبت وسام سليمان (سيناريست "أحلى الاوقات").
والموسيقى: تامر كروان.
لكن خان لم يستسلم تماماً لسيطرة الجيل الآخر (هوفقط يلعب.. في فريقهم
لكن بقانونه).
وضع تيماته المطمئنة : شريط صوت من الراديو (بدلاً من اذاعة الشرق
الاوسط كانت الـ ح ئ)... وصراخ السيارات والفرامل وحشرجات الباعة وهدير
الزحمة وغابة من الحان مختلطة لاغنيات محفورة في الوجدان.. وهمهمات
اللاهثين إلى مواعيد ورنات موبايل واصوات غامضة من العمارات القديمة
(.."هذه اشياء لا استغني عنها في صناعة الجو العام الذي تتحرك فيه
الشخصيات.." يقول محمد خان).
تختفي هنا موسيقى الفيلم تحت التفاصيل الكثيرة. لا تستعرض قوتها
اوانفرادها بتركيز المشاهد. لكنها تتسلل.. لتكون جزءاً من المشهد
...واحياناً تطغى بقوة لتضع تعليق اونقطة في نهاية الجملة... تامر
كروان اختار تيمات تلتقط الشجن فيها.. لكنه شجن قصير.. لا يتركك تغرق
فيه.. يمتزج بلمسة بهجة مفلتة تناسب عالم ياسمين وجومانا.
عالم رومانسية اولية (روايات عاطفية ساذجة.. ودون جوان بسيارة مكشوفة..
وارتباك القبلة الاولى.. وحكايات عن اول لمسة.. و..).
جومانا تغرق في روايات الحب تحت الاشجار.
وياسمين تسمى الوزة: "اهواك" على اسم اغنية عبد الحليم حافظ (رمز
الرومانسية المتكرر في افلام خان).. تقف معها عارية في حمام بعد العمل
وتناجيها في ليل لا ينتظرها فيه احد.. هي وحدها. وعندما وجدتها ممددة
على طاولة العشاء.. شعرت بالصدمة وانسحبت من الجو العائلي السعيد
بالانتصار على "اهواك".. ويحتفل بالتهامه على ايقاع "يااهلا بالمعارك"
(عبد الحليم مرة اخرى لكن في رومانسية وطنية).
اغنية اخرى استعارها محمد خان من كتالوجه الخاص...: "ما تحسبوش يابنات
ان الجواز راحة.." لصلاح جاهين وفرقة المصريين الشهيرة في الثمانينات
(هي ليست معروفة لجيل ياسمين وجومانا.. لكن في كوافير بوسط البلد يمكن
ان تعثر على اغنية خارج بروجرام هذه الايام).
اما المايسترو او الطباخ المحترف في القصور.. فانه لا يسمع سوى ليلى
مراد يقول للبنت المعجبة بالجرامفون "الانتيكة..".. يقول لها: ".. كل
حاجة في البيت ده انتيكة.. حتى انا ..الا ليلى مراد.. مش ممكن صوتها
يبقى انتيكة ابداً..".
ويترك ابرة الجرامفون تدور مع اللحن الشهير...:"أنا قلبي دليلي قاللي
ها تحبي".
كل جيل وله صوت رومانسيته.
وياسمين وجومانا ترقصان على بهاء سلطان.. وربما ريكو.
وفي لمح البصر تستعير ياسمين اسم جومانا وقصتها العائلية: اب من لبنان
اختفي فجاة. كانت تريد ان تصبح لبنانية لتخطف الدهشة من مشاريع العشاق
عثمان (محمد نجاتي) وسمير (خالد ابوالنجا).
وتدخل جومانا اللعبة. مندهشة. لا تعترض. لكنها تسأل بعد ذلك : من
انا..؟
والسؤال يستمر خاصة عندما احبت جومانا روميوالذي اعجب ياسمين في
الاول.. والعكس صحيح.
اللعبة.. مثيرة.. وتشبه
المرايا التي نرى فيها اجزاء من صورتنا مدهشة وغائبة.
جومانا دخلت اللعبة رغم انها لن يضاف اليها قصة عائلية مميزة (ربما
لانها لا تستطيع ان تروي قصة ام ياسمين التي تشرب السجائر في الحمام..
او ابيها الذي تزوج وانجب وهو في غيبة رحلات القطار اليومية.. ولم يشعر
به احد...).
ياسمين صاحبة اللعبة. تكذب في العلن
تستمتع بالكذب الذي يجعلها شخصية اخرى من صنع خيالها.. لا من صنع
واقعها.
جومانا تكذب في السر.. تخفيه مع متعها السرية (تسرق كيلوت غالياً من
المحل وتسرق عشاق ياسمين .. ولانها غير محترفة تكتشف السرقة بسرعة
كبيرة..).
اللعبة امتدت إلى تبديل ارقام الموبايل.. .واكتملت بلعبة اخرى بصرية في
محل الازياء.. تخرج كل منهما من غرفة القياس وهي تتكلم عن المشكلة التي
تولدت عن تغيير الاسماء.. .وفي كل مرة لا تعجب بالبلوزة التي تقيسها..
حتى ترتاح لواحدة.. تجدها على جسد صديقتها.
اللعبة لطيفة.
صحيح تصيب بتوتر (..توتر البطلتين وقلق المتفرجين من فكرة الخروج من
الاسم والتفاصيل..).
لكنها تظل لعبة لطيفة.محببة. تكشف الفيلم كله.
الفيلم عن الصداقة (قال لى محمد خان.. نعم هذا اذا اردت تلخيص الفيلم
في حكاية واحدة).
لكنها ليست الصداقة المثالية (إلى الابد.. والمواقف البطولية..
والتعبيرات الكبيرة) صداقة حياة تتحمل الغضب والغيرة والمنافسة وسرقة
العالم الخاص.. والعشاق العابرين في حياة كل منهما. صداقة ليست
عمومية.. .خاصة جداً بين زميلات رحلة المترو اليومية من ضاحية حلوان
إلى وسط البلد.
الرحلة
يبدأ الفيلم وينتهى بالمترو.
ياسمين.. وجومانا تحكي كل منهما الرحلة من بيت عادي لكن له حكايته
الخاصة.
اب غائب: (اختفي في حكاية جومانا.. وترك الام (ماجدة الخطيب) تعيش في
زمنها الخاص.. ومع شخصيات مازالت موجودة في خيالها.. نراه كصورة في
برواز بجوار السرير وفي شرود بنت رات نفسها وحيدة ..لا تحكي عن الاب
سوى بتحفظ اقرب إلى الصمت).
(..في حكاية ياسمين اختار محمد خان استايل خاص في لقطات الاب (احمد
راتب).. تجعله مرسوماً بقوة حنان مفقود.. .وبزاوية نرى فيها ياسمين هي
التي تحمله.. يعتمد عليها..).
كلاهما بلا سلطة ضاغطة (باستثناء محاولات شقيق ياسمين المراهق في اول
احاسيس الذكورة).
في الرحلة من الضاحية إلى وسط البلد. تستعيد كل بنت عالمها الذي وضعته
على باب البيت او في حقيبتها الخاصة (حين افرغ الاخ الذي يريد اثبات
رجولته على ياسمين محتويات الحقيبة شعرت انها عارية تماما.. انها بلا
حق في شيء..).
ومع كل تفصيلة من التفاصيل التي تجعل ياسمين وجومانا من بنات وسط البلد
لكن لا تشبه الا نفسيهما.. وع كل تفصيلة تكتشف في ظلام القاعة الفروق
الشفافة بين البنتين. جومانا التي تخفي متعها تحت غلاف هش من الخجل
.
وياسمين المنطلقة بلا فرامل
هند صبرى التقطت خيط جومانا وصنعت من مشاعرها المكتومة طاقة تشعر
دائماً انها على وشك الانفجار.. تتكلم جومانا فلا تعرف هل ستنسحب
داخلها ام سيتفجر.جسدها تحت بخار مضغوط.. لكنها هادئة تماماً.
وعلى عكس اخفاء الشخصية تحت غلاف شفاف من خجل البنت الوحيدة.. المقطوعة
من شجرة لا تعرف ارضها.. حركت ياسمين في منة شلبي طاقة جبارة من
العفوية والتلقائية.. نظرتها تشع نوراً غريباً.. ياسمين القوية..
المقتحمة "فاتحة صدرها للحياة".. هشة.. تتسمر مكانها لحظة هجوم الانثى
المتوحشة عليها في حمام المطعم.
(هند.. تعاملت مع الدور باحتراف.. وسحبته معها إلى المناطق الهادئة..
بينما اكتشف الدور في منة شلبي قوة من الطبيعة.. حركها كما يتحرك
المارد بلمسة على المصباح القديم.. هند رسمت الدور ..حفرته.. والدور
لمس منة وفجر بداخلها قوة وعافية تنتظر دائما من يكتشفها).
في الرحلة تدخل ياسمين وجومانا.. اللقطات الواسعة لوسط البلد..
بتفاصيلها المثيرة.
الفيلم يسجل وسط البلد الآن.. صحيح من بعيد وبلا واقعية حرفية.. لكنها
وسط البلد كا تعيش فيها بنات المحلات.. تقف البنت خلف الزجاج تتفرج على
العالم ويتفرج عليها.. ترى احلامها من خلاله و.. يراها الناس..
اويتفرجون على فتنتها النائمة.
حاجز الزجاج
يحب محمد خان الحكي.
يظل يحكى عن كل شيء يحبه.
شخصية مثيرة. نكتة. امراة لا تبخل بفتنتها.
بعد "بنات وسط البلد".. حكى لي عن بطله الغامض في شاطىء ستانلي:"..
نفسي اصور في الاسكندرية.. ليست اسكندرية الفسح والبلاجات ..اسكندرية
اخرى اعدت اكتشافها.. مرة اخرى..".
وحكى ايضاً عن قصة حب خفيفة في فيلمه القادم "اسمه في شقة مصر
الجديدة.. كتبته وسام من الالف إلى الياء.. انا اخترت الاسم.. انا شاطر
في الاسماء..".
قلت له : ".. افلامك الآن عن اماكن.. وسط البلد... مصر الجديدة..
ستانلي.. . من قبل كانت الشخصية اهم.. "هند وكاميليا".. "الحريف"...
"زوجة رجل مهم"..؟! هل تشعر بازمة مع المكان.. هل تبحث عن اماكنك
القديمة..؟".
يبتسم خان : ".. ربما كل هذا في اللاوعي.. لكننى لم الاحظ هذا قبل
الان..".
يتفرج محمد خان على حكايته قبل ان يحكيها. عبر الزجاج (كما حدث في
الفيلم مع المخرج (خيري بشارة) الذي تكلم مع ياسمين وجومانا عبر حاجز
الزجاج.. وبعدما انتهى الحوار توقف لحظات ليتأمل جسد كل منهما بحرية..
وايضاً اول لقاء مع العاشقين عثمان وسمير كان عبر نافذة المترو المطلة
على عربة السيدات.. تكررت النظرة عبر الزجاج من الشقيق السعيد
برجولته.. والجمهور المتحمس لمشهد ياسمين وجومانا وهما تفتحان ازرار
القميص في المحل الزجاجي في المول.. لتثبت لصاحبة المحل انهما من
مستخدمى الماركات الكبيرة).
الزجاج يصنع مسافة.. لكنه لايمنع رحلة الحواس
محمد خان يحب سينما المشاعر التي برع فيها الايطالي انطونيوني.. ومنها
يصنع كتالوج يربط الحواس: نظرات الشهوة. تفاصيل الاجساد الحرة في
المشى.والاكل.
لدى محمد خان خلطة خاص يربط كل هذه الحواس معاً (اول قبلة لياسمين كانت
بطعم الكانيلوني... الاكلة الايطالية الشهيرة).
النهايات السعيدة
لم تعجبني نهاية بنات وسط البلد.
شعرت انها تريد ان تطمئن الجمهور المعتاد على حكايات قبل النوم.
تريد ان تصل به إلى مصائر البنتين.
وهى نهاية يمكن ان تناسب مزاج اخر من الافلام. يهتم بالحدث الكبير في
الحكاية. لكن خان و"بنات وسط البلد" مزاج اخر.. لايهتم بتاريخ الشخصية
ولا بمصيرها.. فقط يدخل حياتها في لحظة يختارها السيناريست والمخرج..
ويغادرهما والجميع (السيناريست والمخرج والمتفرج).. لا يعرف ماذا سيحدث
لهما.
حكى خان عن النهاية التي يحبها: ".. كنت اريد ان اقف في اللحظة التي
ابتسما فيها بعد المعركة الشرسة في قلب المترو".
المعركة كانت بعد اكتشاف كذبة ان ياسمين مغنية في الكورال.. اتفقت مع
صديقتها على ان تقف وسط المجموعة.. وفجاة اتفق العاشق المحترف مع مهندس
الصوت على اغلاق كل الميكروفنات الا الذي تغنى عليه ياسمين.. هنا حدث
الاكتشاف وتفجرت المعركة (كان المشهد قوياً.. حرب بين قطتين من قطط
الشوارع).
وسام سليمان حكت لي عن النهاية الاصلية: ".. تظهر جوانا مرة اخرى وهي
محجبة ومعها صديقة اخرى.. تمر على ياسمين في البيت وتسالها ان تصحبهن
إلى وسط البلد..".
نهاية قاتمة
ومحمد خان كان يريد ان يصنع فيلماً خفيفاً اوكما يقول: ".. يريدون فيلم
شباب.. هذا فيلم شباب لكنه ضد معايير السائد.. ويريدون اغنية هذه اغنية
..لكنها في الدراما..".
خان يريد ان يتفاعل مع سوق مضطرب.. وجمهور عشوائي.. هو نجم سينما
الثمانينات.. مع خيرى بشارة.. وعاطف الطيب.. وعلى مسافة منهم داود عبد
السيد.. مجموعة نقلت السينما في مصر إلى مساحة اخرى.. لكنهم فجاة
اختفوا كان هناك مؤامرة او ساحر خفي او.. كانه لم تعد هناك سينما.
محمد خان ظل سنوات قبل فيلمه الاخير "ايام السادات.." .. بعده دخل
مغامرة تصوير فيلم ديجيتال (اسمه على اسم نصاب ظريف: "كليفتي..").
والآن هومن جديد في قلب المعركة (يتابع كل يوم الايرادات.. وسعيد بما
وصلت اليه: مليون و400 الف تقريباً حتى الان.. وهذا بالنسبة لفيلم لم
يتكلف اكثر من 2 مليون.. نجاح ما.. كما ان "مجلس الموزعين" الذي يحدد
مصير الافلام.. قرر ان يطبع من الفيلم 44 نسخة فقط.. بينما فيلم محمد
فؤاد طبع منه 80 نسخة.. مثلاً.. المهم ان هذا المجلس هوالذي يحدد الذوق
السائد.."
هكذا تكون عودة خان ضد الذوق السائد.. ويقول :: "تضايقت في البداية من
الالحاح على فكرة انني عائد.. لكننى اكتشفت انها تستخدم لشتم الذوق
السائد.. فانبسطت..".
...وهذه بداية سعيدة.
|