|
قراءة في قصص العدد 23 من مجلة "الكاتب العراقي" |
|
|
بقلم: محمد سعيد الريحاني (باحث وقاص مغربي)
* المحور الأول:"الموقف من الوجود" في قصص العدد 23 من مجلة "الكاتب العراقي"
الإبداع هو كل محاولة إنسانية تتقصد إنتاج أو استخراج عوالم صودرت وسلبت تحت سيف سلطة من السلط، وذلك بتشغيل أدوات سمعية أو بصرية أو مكتوبة إما خلقا (=création) أو محاكاة (=mimesis ). لقد كان الإبداع عبر تاريخ البشرية مبادرات لانهائية لمقاومة الواقع أو السمو عليه أو الرقي به أو الدفاع عنه. وهكذا تجدرت في السلوك الفردي والتاريخ الإنساني هذه الثنائية السحرية: الواقع والمثال . ( The established order & the ideal order ) قد تتعدد التعيينات على"الواقع والمثال" : الكائن والممكن، الحاضر والرهان،الواقع والآفاق، الإشكالات والبدائل... لكن الدلالة تبقى واحدة وهي أن كل مناحي النشاط الإنساني تحركها هاتين القوتين: قوة الواقع بسلطه وإكراهاته وقوة الحلم بالتغيير والارتقاء. وعلى خلفية هاتين القوتين تتحدد غايات كل الإبداعات الإنسانية من معمار ومسرح وشعر... كل الإبداعات الإنسانية تتضمن في نصوصها ولوحاتها ومعزوفاتها هاتين الثنائيتين (الواقع والمثال) ثم تنتصر لأحدهما على حساب الآخر لتفصح بذلك عن الخلفية التي تحركهما: خلفية سلطة (=الواقع ) أو خلفية حرية (=المثال ). ولعل أخلد الإبداعات الإنسانية هي تلك التي كانت تنتصر دوما لقيم الحرية والتغيير والحلم بغد أفضل وأزهر وأشع. ولائحة الإبداع والمبدعين التي تحتفظ بها ذاكرة الإنسانية لا تضم غير الإبداع الحر والمبدعين الأحرار. إذا كان الإبداع الحر هو الإنتاج الإبداعي المنتصر لقيم الحرية والغدوية والتغيير، فإن المبدع الحر هو حامل مشعل هذه القيم وباعثها من تحت رماد النسيان … إن الإبداع لا يمكنه أن يكون إلا حرا وغدويا حالما لأنه مشروع تحرير للعالم وتجديد له من خلال تحرير الإنسان. احكي لي، احكي لي ῼ عن بلدي، احكي لي
هكذا تغني المطربة الرائعة فيروز...
صعب أن نقبل بحياة بلا خيال ينير الغد وبلا حكي يجعل من الأحداث المتشظية حياة ذات معنى. الحكي او السرد او القص وسيلة تعبير في مونولوجاته ووسيلة تواصل في حوارياته يدفع المتلقي للتأمل والإبحار الجميل أو قد يدفعه إلى اتخاذ المواقف وتبني الفعل الإيجابي.
I)- التصنيف الوجودي للسرد العربي: في التعبير الفني،عموما والسردي خصوصا، يمكن التمييز بوضوح بين دعامتين أساسيتين لكل رسالة قصصية: دعامة الواقع ودعامة المثال، وكل انتصار للواقع على المثال أو العكس يشكل جهرا فصيحا بالموقف من الوجود. كما يمكن التمييز بين مواقف من الوجود في النصوص القصصية من خلال تأرجحها بين ذات الثنائية، الواقع والمثال: 1)- الواقع كمحبط لكل المثل:النصوص المتبنية لهذا الموقف الشاهد على انحطاط الواقع الاجتماعي لدرجة يطبق فيها اليأس على حناجر الجميع فيستحيل كل تعبير إما إلى تعبير محبط صامت أو إلى تعبير محبط صارخ من اليأس 2)- الواقع كمأزق ينتظر المثال: النص المتبني لهذا الموقف الشاهد على انحطاط الواقع تنقسم إلى ثلاثة نماذج : أ)- النموذج الأول : نموذج ماضوي يجد في ذكريات الماضي المشعة حلا للخروج من ورطة الوجود ، ورطة الواقع. ب)- النموذج الثاني : نموذج غدوي يرى في الغد مفتاح الفرج واكتمال الشروط لبداية جديدة وحياة جديرة . ج)- النموذج الثالث : نموذج تعبوي يستنهض الهمم ويشحذها أمام انسداد كل الآفاق ونفاد كل الخيارات. 3)- المثال كبديل يلغي الواقع. 4)- الواقع كمعادل للمثال: النصوص المتبنية لهذا الموقف تطابق الواقع بالمثال فما ينتظره الأحياء نحن نعيشه . ولكن الخلفية التي تتحكم في هذا الموقف تجعل منه ، في الحقيقة ، نموذجين: أ)- نموذج يرى في الخطر الخارجي تهديدا حقيقيا ويطور قناعة بضرورة الاستمتاع باللحظة الآنية فثمة السعادة المثلي الوحيدة الممكنة . ب)- نموذج يرى في اليأس والشكوى من الواقع هدما لإرادة الوجود ، ويتبنى خيار روحنة الواقع بجعله جميلا ومحفزا على العمل والوجود والاستمرارية .
II)- أنماط المواقف الوجودية المهيمنة في قصص العدد 23 من مجلة *الكاتب العراقي*: أ-"من يرسم لي الوردة ؟" للكاتب يوسف أبو الفوز قصة قصيرة بضمير المتكلم تحكيها طفلة صغيرة بأسلوب بسيط ورؤية بريئة تحاول من خلالهما إدراك قواعد الوجود وفهم عالم الكبارلكن دون جدوى. فدهشتها واستفهاماتها تثير الصداع في رؤوس الكبار. ولذلك، فليس غريبا ان يبتدئ هذا النص بجملة استفهامية (من يرسم لي الوردة ؟). فالجمل الاستفهامية والتعجبية كانتا وظيفيتين بحيث صار معهما اغتراب الطفلة في غابة الكبار أوضح وأسطع. ويمكننا ان نقرأ: *عجيب ! كيف يمكن ذلك ؟ كيف يستطيعون الدخول في باطن الأرض بكل هذا العدد ، وهذه الأسلحة التي معهم ؟ زوجة العم قادر تقول : " قانون أهل القرى ، أن يتقاسموا اللقمة مع الأنصار " . أمي تقول : " قانون الفقراء فقط ، فلم لا يعطيهم عثمان ئاغا واحدة من سياراته الموجودة في المدينة ؟ " * عجيب ! كيف يمكن أن تكون حياتهم معلقة برصاصة ، وما طول الحبل الذي يلزم لذلك ؟ * سألت أبي : " لماذا يقتلون الجحوش " ؟ زعق أبي ، وقال : " أوه ، أن أسئلتك تصدع الرأس ؟ " * يرفعني بين ذراعيه ، يقبلني ، يضمني إلى صدره ، ويسألني عن أبي وأمي واخوتي ، يملأ جيوبي بالجكليت ، ويهمس لي : " هل لديك سؤال جديد ؟ " * أستاذ رزكار : " من هو الله ؟ في أية قرية يسكن ؟ ولماذا لا يحبكم عثمان ئاغا ؟ * عجيب ! كيف يمشي الماء على رجليه ؟ أنا لم أر للماء رجلين يوما * قال : " أنا لا أستطيع ألان ، وسأفعل ذلك بعد انتصار الثورة " . قلت : " متى تنتصر الثورة ؟ " * عجيب ! كلما أتحدث معه يضحك * قال : " حين تصبحين كبيرة لن يبقى هناك أنصار في القرى ، ستكون الثورة قد انتصرت وستكون الحياة لنا " عجيب ! كيف تكون الحياة لنا ؟ * رسمت حمامة . أمي قالت : " هذه دجاجة " ! عجيب ! * ما الذي يحدث ؟ لا أحد يلتفت الي . * وجدت أطفالا عديدين ومعهم سرباز ابن العم قادر . سألته : " ماذا يحصل ؟ " * ازاح الرجل شرشفا أخر ، وعلا صياح النسوة وصرخت زوجة العم قادر حاولت أن اسمع صوت أمي . لم هؤلاء الأنصار ممدين على الدكة ؟ ولم ملفوفين بالشراشف ؟
ب-"طقوس" للكاتبة اعتقال الطائي نص سردي شذري سكوني تأملي واع بقصديته الإنسانية وأدواته السردية الوظيفية. يعتمد على الزمن المضارع والوصف في مقارنة بين ثلاث طقوس (الدين والسياسة والرغبة) يئن بينها الجسد برغباته المحاصرة بكثرة السلط ومخاوفه من الفناء: *للمعبد قدسيته.. للجندي المجهول هيبته.. أما هما فجاءا من مدن بعيدة، تضمهما عربة تطوف بهما في شوارع تحتضن خباياها قدسية مبهمة... * حملا جسديهما فقط، انتشيا بسماع أغانٍ لا تشبه الفحيح ولا موسيقى النشيد الوطني * لم يجرأ أحدهما على البدء بتأدية الطقوس المحرّمة التي تزرع الخوف في قلبيهما والحنين، أو الشعور بالذنب ربما. لا شئ غير قبلة متقدة قد يزهو الجسد بعدها أو ينطفئ. وتنتهي الطقوس...
ج-"محاولة" للكاتبة صبيحة شبر نص يحمل عنوان "محاولة" واحدة ولكنه يعرض ثلاث محاولات في قالب فني راقي يتدرج من الشعور بالإحباط إلى إرادة التغيير والتغير ثم إلى بدل الجهد فتحقيق المراد والانتقال إلى حياة جديدة. فالأنثى في النص هي الشخصية المحورية وهي ذاتها السارد بضمير المتكلم. وهي "تحاول" في آن واحد ان تجمع خيوط الحكاية، وان تنسى الماضي وتعيش الحاضر، وأن تتصالح مع الوجه في المرآة الذي لن يكون غير وجهها. النص انتصار للإرادة الإنسانية. نقرأ:
*لم لا أحيا وظل الورد يحيا في الشفاه * علي أن أعيش يومي ولا أأسى لامسي أو أتشاغل بغدي ، ينبغي أن أتحلى بإرادتي ، اضحك من جديد ، واضحك مرة أخرى ، تطاوعني إرادتي ، أحاول ان أبتسم ، فأعجز عن تحقيق رغبتي ، ابتسامتي باهتة ، أحاول من جديد ، أفشل ، ، وأتابع المحاولة ، ابتسم ،فلا يكون انتصاري كاملا ، اقمع شعوري بالانهزام ، أبتسم ملء فمي ، لم تعد شفتاي يابستين ، ولساني يعبر عما يريد بطلاقة. البريق يعود إلى عيني ، الأخاديد تختفي عن وجهي ، وعن عنقي ، وفمي يزايله الجفاف ، وابتسامتي تعود حقيقية. د-" في يوم تموزي لاهب" للكاتبة طالب عبدالأمير نص ذكي يبتكر قصة بسيطة حول حدث يومي بسيط للغاية، بساطة تنوم المتلقي بثقلها و كي تضيء دون اثارة انتباه ثنائية الظلم والانعتاق: *لم أترك جامعة، كلية أومعهداً الا وطرقت أبوابه، ولكن دون جدوى فهذه الكليات مغلقة لمن لديهم صك الانتماء للحزب القائد وتلك تطلب شروطاً صعبة التحقيق بالنسبة لي. لم يكن لي نصيب من إكمال الدراسة في بلدي، فلابد اذاً من الرحيل مرغماً.
وتنتصر للحرية: *ثم جلست لأستريح في ظل شجرة، في ركن أرقب منه خالدة جواد سليم البرونزية، لكن سرعان ما أصطدمت عيناي بالثقوب التي رصعت الجدارية. كنت قد مررت سابقا مرات كثيرة من تحت هذا النصب العملاق، لكن تلك كانت المرة الاولى التي إنشد فيها بصري الى الثقوب فخلتها اصبحت جزءاً من مضمون النصب، فالحرية التي جسدها سليم في هذه الجدارية ظلت شامخة تزين صدر المدينة، رغم محاولة الذين ناصبوها العداء واطلقوا عليها النار في مجزرة عام 1963.
قبل ان تعود للحكاية البسيطة الرتيبة مرة أخرى للإيحاء بأن النص يدور حول الفلس الضائع في ثنيات البنطلون، والاطمئنان على ان الرسالة وصلت.
ج-" في يوم تموزي لاهب" للكاتب رافع الصفار "متاهات الزمن المفقود" يبدو كأنه يسلك نهجا صوفيا. فالغموض هو الشخصية الرئيسية في النص ولكن الاستثمار الكبير في النص كان هو حضور الشجرة كملهمة ومظللة وحامية: *تحرك عندها ناحية شجرة توت عملاقة وجلس تحت ظلها الوارف متكئا على جذعها، وممددا ساقيه اللتين كانتا تنبضان بالألم على الأرض. أسند رأسه إلى الجذع ونظر إلى الأعلى فتبدت له السحابة من بين الأغصان المتشابكة. لو تكبر هذه الغيمة فتغطي عين الشمس، لتمكن من مواصلة السير دون عناء. أغمض عينيه وأسلم نفسه لمداعبات النعاس.
النص يدور حول لغز كبير: أين الحلم واين الواقع؟ متى يبدأ الحلم ومتى يبدأ الواقع؟ النص وظف هذا الغموض بمهارة عالية. فليس ثمة مسافة فاصلة بين الحلم واليقظة. بل ليس ثمة فرق بين حلم هذه الشخصية وحلم تلك. فالناس تحلم نفس الحلم ولا تكتفي بذلك، إنها تورثه ايضا: - مهمتك هي تحويل الحلم إلى واقع. - كيف؟ - لا أدري. هذه مهمتك. - ومهمتك أيضا. - كانت، ولكني للأسف لم أفلح في ذلك. وما عساه يكون هذا الحلم الذي استعصى على اجيال؟
إنها الحرية والتحرر والخلاص الموؤود ابدا في هذه الجهة من الكوكب الأرضي. نقرأ: *اختار قائد قوة الحرس الخاص عشرا من أجمل صبايا القرية وقال لشيخها: - سآخذهن عوضا عن الفتى الذي تتسترون عليه. حاول أخ لإحدى الفتيات أن يعترض، فأرداه القائد قتيلا برصاصة اخترقت جمجمته. وتجرأ أخ ثان أن يتقدم إلى الأمام فتصدى له الحرس برشاشاتهم، ورقشوا جسده بثقوب صارت ينابيع دم. عندها تراجع الجميع وألجمهم الرعب، فانطلقت النسوة بالعويل والصراخ يلطمن الخدود، وينفشن الشعور، ويمزقن الثياب. أما الآباء فارتكنوا في زوايا الخجل، ودسوا رؤوسهم في صدورهم وانخرطوا في بكاء طويل مكتوم. لكن الشباب لم يستكينوا، وقرروا الانتقام من الطاغية وإنقاذ الفتيات من براثنه. في الليلة التالية قام عشرة من خيرة فتيان القرية بمهاجمة قصر القائد، فقتلوا الحرس، وانقذوا الفتيات واقتادوا القائد الذي وجدوه في مخدعه يضاجع إحدى الفتيات، عاريا إلى القرية حيث ربطوه إلى جذع في الساحة الرئيسية، وأصدروا حكمهم في حقه. قام والد الفتاة التي وجدوها في مخدعه بتنفيذ الحكم. كان الوالد يحمل خنجرا ذا نصل يبرق تحت الضوء عندما اقترب من القائد، وكانت نظراته تطلق حمم حقد تزيح الجبال من مواضعها، فأمسك عضوه الذكري بإحدى يديه،وسحبه بقوة إلى الأمام وبضربة خاطفة بالخنجر بتره عن الجسد، وألقاه على الأرض بين قدمي الضحية. بعد ساعة من الصراخ والتوجع والأنين عمد أحد الفتية إلى إطلاق رصاصة الرحمة في رأس الطاغية. فانطلقت الزغاريد في أرجاء القرية تعلن ميلاد يوم الفرح. ج-" رؤيا اليقين " للكاتب سلام إبراهيم "رؤيا اليقين" هجاء خالص لمرحلة سياسية بكاملها كانت تقايض الشعارات بالقمع والاستبداد. النص يدور حول شخصية رئيسة في النص هربت من الجبهة بعد عشر سنوات من القتال بعد القتال ليعود إلى أحضان الام بعدما "ضاقت به السبل": * ـ حدثني عن حالك.. ما الذي أتى بك يا ولدي؟!. فاء إليها ونطق بصوت متحشرجٍ يرشح حزناً: ـ ضاقت بي السبل يا أمي!. ـ أخفض.. أخفض صوتك.. إنك تعكر رقادهم. أدنت أذنها من شفتيه المختلجتين، همس وكأنه يحدث نفسه: ـ ألا تشمين يا أمي رائحة دم طري وعطر أنفاسٍ حيةٍ وبقايا حديد من قميصي؟!. ولأن العائد متعب والغياب السابق للعودة قد طال كثيرا، فقد اشتغل النص على عدة ادوات فنية لتمديد الزمن وربح الوقت قبل لقاء الاحبة،كما اشتغل على الوصف الدقيق لجعل السرد اثقل... القاسم المشترك: الرؤيا، الحرية
" أستوقفه باب محفور بأعماقه الدفينة. تمعّن في ظلاله الكابية على ضوء النجوم، فتعرف على باب بيت جده القديم. أخذ قلبه ينبض بالحنين، وأطراف أنامله المنتفضة تجوس ماسحة صدأ كراتٍ نحاسية ترصع جسده. التصق لاثما لونه الأغبر وعاباً من عبق الخشب الآسر. الباب أصبح خفيضاً جداً بالغ القدم. دفعه بأناة. أزَّ مطلقاً صريرا متقطعاً. ولج فجوة الممر الحالكة وجده طويلاً.. طويلاً وكأنه يمتد إلى أخر الدنيا.أبحرت ذراعه في الفراغ المظلم واستقرت على الجدار الرطب. سار لصقه متحسساً براحة كفه لزوجة الطابوق. رؤوس أصابعه تتموج هاوية إلى قيعان ثقوب كثار صاعدة قمم تلال صغيرة، منحدرة نحو أودية ضيقة. السقف خفيض جداً يلامس في بعض المواقع شعره."
كما احسن النص استثمار الفلاش-باك لتمديد الزمن وإطالة الانتظار والإيحاء بجنة الماضي: " هبت نسمة من جهة خلاء مظلم بعيد حاملة إليه رائحة أليفة. اجتذبته فتوغل في الدكنة مبتعداً عن البنايات. تكاثر عبق تلك الرائحة موقظاً بذاكرته أشياء قديمة.. قديمة جداً.. فيء جدار.. شجرة سدر هرمة ملطخة بأكف الحناء.. غرف عتيقة.. وجه أبيه.. فناء مدرسته الابتدائية.. ضجيج شارعهم الأليف.... "أم سريع" تبيع التفاح الموضوع في سلة خوص مهترئة، أبو علي ودكانه الخفيض، حامد عزرة الذي يترك اللعب متعثراً بركضته صوب سلم سطح بيتهم الواطئ وهو يصيح "الشاهين.. طيوري" حاج خضير مصلح إطارات السيارات الأعور السكير يتمايل وسط الشارع وزوجته بدرية الشكسة تدفعه بعصبية نحو البيت فيتكوم على العتبة، فاتن الفاتنة، زوجة الحلاق الأحوال، ذات العينين العسليتين تهمس له: ـ تسلل ليلا.. سأترك الباب مفتوحاً."
الإيحاء بجنة الماضي مقابل الخراب الحاضر: " ـ عن أي جيران تسأل، لقد تغيروا مراراً.. شأنهم شأن الكثير من الأشياء التي اختلفت.. أستبدل البعض أبناءهم الذين قتلوا في الحرب بالدنانير وبيوتٍ حديثة وسيارات. ورحل البعض إلى أماكن مجهولةٍ، وما بقيَّ في ركننا سوى عوائل الفارين من الجبهات، والمعدومين والمعتقلين، والمختفين... ثم تقاطر إلى زاويتنا المهجورة الكثير من الأغراب. عرب.. أكراد.. صابئة.. شيعة.. آثوريون.. عجائز.. شيوخ.. ذوو عاهات.. يتامى.. أرامل.. عاهرات.. مرضى.. زوجات هاربات.. أشجار متروكة.. أعشاب.. أجنة.. قطط.. كلاب.. طيور.. قطعوا عنا الماء والكهرباء...
تركيب:
|