استراحه تشكيلية

28

العمل يحيى الشيخ ( رجل يواجه البحر)

التعليق فؤاد ميرزا

العمل الجميل ( رجل يواجه البحر) للفنان يحيى الشيخ من الأعمال التي تثير الجدل حقاً، فلقد استخدم الفنان (كرك) بثقبين, ليخلق وجهاً أو رجلاً يواجه البحر، موظفاً السماء والماء والأفق والغيوم كخامات لعمله الفني. نلاحظ ان أقدام الرجل أو جذعه مغمور بالماء الذي هو مصدر تطهر وصفة نقاء و رمز خلود، وهكذا يأخذنا الفنان الى مشهد لا يرى الا في الأحلام و يقودنا الى حافات الأسطورة والشعر, ليخلق فينا حزناً عميقاً شاعرياً هو في حقيقته حزن كلكامش الطارئ بمواجهة الطبيعة السرمدية بكل ما تحمله من قوى ورموز خالدة.

هذا النوع من الفن يذكرني بما يسمى بـ (فن الخردة) وعلى الخصوص بنتاج الفنان الأمريكي تايري كيوتن (مواليد ديترويت Tyree Guyton Detroit 1955). وهو رسام ومثال قام بحرب انتقادية شخصية لعدد من المشاكل الإجتماعية والانسانية التي تواجه الإنسان المستغـَـل المسحوق والمهمل في مدينته. ولقد بدأ هذه الحرب بتحويل شارع تكثر فيه البيوت المحروقة و المهجورة، ثم شارعين آخرين قريبين من منزله، الى معرض كامل باستخدام خردة قديمة عثر عليها في صناديق القمامة، كالأحذية وأجزاء من هياكل الدراجات الهوائية و دمى الأطفال، و زين بهذه الأشياء الهجينة جدران البيوت المهجورة والخرائب و أرصفة الشوارع .

العمل الفني الأول الذي جلب المتاعب والشهرة له معاً, كان في عام 1980 و يدعى (مشروع هيدل بورغThe Heidelberg Project ) ، حيث قام جده بمساعدته في عمله، بالبحث عن المهملات والخردة وصبغها بألوان باهرة كالأحمر والأصفر والأزرق السماوي وتعليقها على الجدران محولاً إياها الى أعمال نحتية بارزة، معتبراً كل بيت عبارة عن عمل فني منفصل، ناثراً حوله مقاعد التواليت أو شواهد القبور أو اطارات السيارات، و حسب ثيمة العمل الفني لذلك البيت.

استغرق هذا المشروع عدة سنوات و لم يكن مكلفاً جداً، حيث استفاد الفنان من محيطه وبيئته التي تكثر في أحياءها البيوت المهجورة و المحروقة والتي كانت ذات يوم بؤراً ومرتعاً للجريمة والتشرد وتجارة المخدرات وحولها الى اماكن تستقطب الإثارة والانتباه. فن تايري كيوتن ليس مألوفاً, لأنه يتحدى الحدود التقليدية المعروفة عند الناس و مفاهيمهم عن الفن، تماماً كما فعل الفنان الفرنسي مارسيلMarcel Duchamp  الذي كان يختار قطعة منزلية عادية ويعرضها على انها فن, وكما كان يفعل الفنان الأمريكي روبرت روشنبرغ Robert Rauschenberg بتضمين قطع الخردة داخل اعمال الكولاج، لقد دعا أحد الصحفيين فن تايري بالفن الثوري الايجابي لأنه ينتقد بقسوة و يثير الجدل ويقترح الحلول.

في أحد مشاريعه الفنية صف تايري كيوتن آلافاً من الاحذية القديمة والبساطيل على طول شارع فرعي موصل لبيته, وكانت السيارات تدوس على هذه الأحذية، التي أعتبرها الفنان سكان الحي واعتبر الحكومة هي دواليب السيارات التي تدوس فوق رؤسهم وعليهم بقسوة و بلا مبالاة، هذا العمل دعى محافظ المدينة آنذاك (كولمن ينغ) الى شن حرب شعواء على فن تايري كيوتن واعتبره فن قمامة وبشاعة يؤدي الى تلوث البيئة والى الاساءة لسمعة المدينة. ولكن ولاية مشيكن منحت تايري كيوتن اسمى الجوائز التقديرية في نفس العام كما اعترفت بفنه أهم المؤسسات الفنية العالمية، وجلبت شهرته كثير من السواح الأثرياء من كل اصقاع العالم الى أحياء الزنوج المعدومة التي شيد منها الفنان وعليها فنه القوي الحيّ المقاتل.

 

 

 


(الأمل الحقيقي يأتي من تغيير أفكار الناس, الناس لا يغيرون أفكارهم أذا لم يواجهوا أبدا بالحقيقة )

تايري كيوتن

 

 

Resources

:

http://www.heidelberg.org/Pages/Who/Tyreebio.htm

 

  <  

<